عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

76

اللباب في علوم الكتاب

والثاني : أن تكون بمعنى « في » ، أي : في المكان الذي نهيتم عنه في الحيض . قال ابن عبّاس ، ومجاهد وإبراهيم ، وقتادة وعكرمة : فأتوهنّ في المأتى ؛ فإنّه هو الذي أمر اللّه به « 1 » ولا تأتوهنّ في غير المأتى ؛ لقوله : « مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ » أي : في حيث أمركم اللّه ؛ كقوله : إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [ الجمعة : 9 ] ، أي : في يوم الجمعة ، وقوله : ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ [ فاطر : 40 ] ، أي : في الأرض . ورجّح هذا بعضهم ، وفي الكلام حذف ، تقديره : « أمركم اللّه بالإتيان منه » يعني : أنّ المفعول الثّاني حذف للدلالة عليه . قال الأصمّ والزّجّاج « 2 » : فأتوهنّ بحيث يحلّ لكم غشيانهنّ ، وذلك بأن لا يكنّ صائمات ، ولا معتكفات ، ولا محرمات . وقال محمّد بن الحنفيّة « 3 » : فأتوهنّ من قبل الحلال دون الفجور . والأقرب : قول ابن عباس ، ومن تابعه ؛ لأن لفظة « حيث » حقيقة في الكلّ ، مجاز في غيرها . فصل [ في ورود « من » بمعنى « في » ] قال أبو العبّاس المقري : ترد « من » بمعنى « في » كهذه الآية ، وتكون زائدة ؛ كقوله تعالى : يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [ نوح : 4 ] ، وقوله : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ [ الشورى : 13 ] أي : الدّين ، وقوله : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ [ يوسف : 101 ] ، أي الملك . وبمعنى « الباء » ؛ قال تعالى : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ [ غافر : 15 ] ، أي : بأمره ، وقوله : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [ الرعد : 11 ] ، أي : بأمر اللّه ، وقوله : وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ [ النبأ : 14 ] ، أي : بالمعصرات ، وبمعنى « على » ؛ قال تعالى : وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ [ الأنبياء : 77 ] ، أي : على القوم . قال القرطبيّ « 4 » : عبّر عن الوطء هنا بالإتيان . قوله : « إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ » التّوّاب : هو المكثر من فعل ما يسمّى توبة ، وقد يقال : هذا في حقّ اللّه - تعالى - ؛ من حيث إنه يكثر من قبول التّوبة . فإن قيل : ظاهر الآية يدلّ على أنّه يحبّ تكثير التّوبة مطلقا ، والعقل يدلّ على أن التّوبة لا تليق إلّا بالمذنب ، فمن لم يكن مذنبا ، لا تجب منه التّوبة . فالجواب من وجهين : الأول : أن المكلّف لا يأمن البتّة من التّقصير .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 388 - 389 ) عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 60 . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق . ( 4 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 60 .